انطلقت في واشنطن يوم أمس محادثات بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة، في محاولة لاحتواء التصعيد العسكري المستمر منذ أسابيع على الجبهة اللبنانية، وفتح نافذة ضيقة نحو تهدئة محتملة، وإن بدت محدودة في سقفها السياسي وأهدافها الميدانية.
أنطلقت يوم أمس في واشنطن محادثات بين لبنان وإسرائيل، ويأتي هذا اللقاء، الذي يُعد الأول من نوعه على هذا المستوى منذ أكثر من أربعة عقود، في سياق إقليمي بالغ التعقيد، حيث تداخلت المواجهة بين إسرائيل وحزب الله مع تداعيات الحرب الأوسع المرتبطة بإيران.
وقد شكّل التصعيد الأخير، الذي بدأ بإطلاق الحزب صواريخ باتجاه شمال إسرائيل، نقطة تحول دفعت تل أبيب إلى شن حملة عسكرية واسعة استهدفت بنية الحزب ومواقعه داخل لبنان، بما في ذلك ضربات مكثفة في بيروت ومحيطها.
ورغم أن هذه المحادثات تعكس عودة القناة الدبلوماسية إلى الواجهة، فإنها لا تنطلق من أرضية توافقية صلبة، بل من واقع ميداني ضاغط يفرض على الأطراف البحث عن حلول جزئية لتفادي انزلاق أكبر نحو حرب شاملة.
ومن هنا، فإن التوصيف الأدق لهذه الجولة هو أنها محاولة لإدارة الأزمة أكثر من كونها مساراً لحلها بشكل جذري.
وتستند هذه المحادثات إلى الحاجة الملحة لإعادة النظر في اتفاق وقف إطلاق النار الموقع عام 2024، والذي أثبتت التطورات أنه كان هشاً في بنيته وغير قادر على تحقيق هدفه الرئيسي، وهو نزع سلاح حزب الله. فقد اعتمد الاتفاق بشكل أساسي على دور الجيش اللبناني في فرض هذا المسار، دون توفير ضمانات تنفيذية واضحة أو جدول زمني ملزم، ما سمح ببقاء الواقع العسكري للحزب على حاله تقريباً.
العلمليات العسكرية الإسرائليلة في لبنان يعكس رغبتها في فرض معادلة جديدة
وعلى الجانب الإسرائيلي، تعكس العمليات العسكرية الأخيرة رغبة في فرض معادلة ردع جديدة قبل الدخول في أي تسوية. فقد كثفت إسرائيل ضرباتها، ووسعت نطاق الاستهداف ليشمل ليس فقط مواقع حزب الله، بل أيضاً حلفاءه، في رسالة مفادها أن قواعد الاشتباك السابقة لم تعد مقبولة.
هذه الجولة خطوة أولى نحو مسار أطول، لا يخلو من التعقيدات، لكنه يبقى الخيار الأقل كلفة في بيئة إقليمية تتجه نحو مزيد من عدم الاستقرار.
كما تشير التحركات الميدانية إلى سعي غير معلن لإنشاء منطقة عازلة في جنوب لبنان، تهدف إلى تقليص التهديد المباشر على الحدود.
وفي هذا الإطار، تبدو إسرائيل حريصة على عدم تقييد حريتها العملياتية بشكل كامل، حتى في حال التوصل إلى اتفاق محدود، حيث تسعى إلى الاحتفاظ بحق التحرك ضد ما تعتبره تهديدات وشيكة. وهذا ما يعقّد صياغة أي تفاهم، إذ يتطلب إيجاد توازن دقيق بين التهدئة والحفاظ على القدرة الردعية.
وأما الولايات المتحدة، فتقف في موقع الوسيط الذي يسعى إلى تحويل النتائج العسكرية إلى مكاسب سياسية. فواشنطن ترى في هذه المحادثات فرصة لإعادة تنشيط مسار دبلوماسي في منطقة تعاني من تعثر في ملفات أخرى، مثل المفاوضات مع إيران أو جهود التهدئة في غزة. ولذلك، فهي تضغط باتجاه تحقيق تقدم، ولو محدود، يمكن البناء عليه لاحقاً.








