يعتبر الدستور أحد أهم أركان تأسيس الدول، وشهدت سوريا منذ نشأتها كدولة مطلع القرن الماضي إقرار عدة دساتير، نصت جميعها على مركزية السلطة، وتجاهلت تعدد المكونات، وفيما كفل بعضها للسوريين ممارسة الحياة السياسية، غيب بعضها الآخر الحياة السياسية عن السوريين.
منذ بداية نشوء الدولة السورية مطلع القرن الماضي، شكّل الدستور أحد أعمدة تأسيسها، وتعددت الدساتير في سوريا على مدار قرن كامل، مع تغير السلطات الحاكمة، فمن دستور البداية إلى دستور الانتداب، مروراً بدستور ما بعد الاستقلال، وصولاً إلى دساتير حقبة نظام البعث، ومن ثم الإعلان الدستوري في الوقت الراهن.
دستور 1920.. السعي لبناء هوية سياسية جامعة
وكان دستور عام 1920، هو الأول في سوريا، وسعى إلى بناء هوية سياسية جامعة تشمل جميع سكان البلاد ضمن إطار الدولة الجديدة، ونص على أن السوريين متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات، رغم غياب أي اعتراف بالمكونات القومية كالكرد أو السريان الآشوريين، أو منحها حقوقاً سياسية أو ثقافية مستقلة.
كما أقر الدستور احترام حرية المعتقد والشعائر، ما وفر ضمانة قانونية للطوائف الدينية المختلفة، بما فيها المسيحيون والدروز والعلويون.
ورغم هذه الضمانات، حمل الدستور أيضاً ملامح الهوية القومية والدينية، إذ عرّف الدولة باسم “المملكة السورية العربية” وجعل العربية اللغة الرسمية، كما اشترط أن يكون دين الملك الإسلام.
وجاء دستور مرحلة الانتداب الفرنسي، الذي لم يُطبق بالكامل بسبب تدخل السلطات، وكان كسابقه يكفل احترام الدولة لجميع الأديان والطوائف، إلا أنه تجاهل كذلك الاعتراف بالمكونات السورية.
دستور الاستقلال.. إقرار مبدأ سيادة الشعب بصورة مباشرة
إما دستور عام 1950، والذي عده بعض الحقوقيين أكثر الدساتير ديمقراطية نسبياً في البلاد، فقد أقر التعددية السياسية وفصل السلطات، وكذلك سمى الدولة بـ “الجمهورية السورية”، ونص على مبدأ سيادة الشعب بصورة مباشرة وهو ما شكل تحولاً مهماً مقارنة بالنظم التي تركز السلطة بيد الحاكم أو المؤسسة العسكرية.
وعقب هذا الدستور ظهرت عدة دساتير مؤقتة في البلاد عكست حالة عدم الاستقرار السياسي، في ظل مرحلة الانقلابات التي عاشتها سوريا حتى مطلع الستينات مع وصول حزب البعث إلى الحكم عام 1963، ومن ثم حافظ الأسد عام 1970.
“دستور 1973.. “حزب البعث القائد للدولة والمجتمع
دستور نظام البعث الذي تم إقراره عام 1973، والذي رسّخ مركزية السلطة بشكل كبير، ومنح حزب البعث دوراً محورياً في قيادة الدولة والمجتمع، عبر المادة الثامنة الشهيرة.
كما عزز الدستور صلاحيات رئيس الدولة بصورة واسعة، حيث منحه صلاحيات تنفيذية وتشريعية مؤثرة، بما في ذلك تعيين رئيس مجلس الوزراء والوزراء وإعفاؤهم من مناصبهم، وقيادة القوات المسلحة، وإعلان حالة الطوارئ.
ومع انطلاق الحراك الشعبي في سوريا عام 2011، اتجه رئيس النظام السابق بشار الأسد إلى تعديل الدستور في العام التالي، حيث أُلغيت المادة الثامنة الخاصة بقيادة الحزب للدولة نظرياً، وسط انتقادات بأن التعديلات كانت شكلية كونها ابقت على مركزية قوية للسلطة التنفيذية ومنح صلاحيات واسعة للرئيس.
الإعلان الدستوري 2025.. صلاحيات واسعة للرئيس وغياب المحاسبة
وعقب سقوط النظام سارعت الحكومة المؤقتة إلى إقرار إعلان دستوري لمرحلة انتقالية تستمر لغاية عام 2030، ورسخ هذا الإعلان مبدأ مركزية السلطة بيد الرئيس، دون الإشارة إلى أي آلية لمساءلته أو محاسبته.
ومع مراجعة الدساتير المتعاقبة، يبرز غياب معالجة واضحة للتنوع القومي والديني في سوريا. كما لم تُعالج مسألة اللغة والثقافة بشكل تعددي، مع تكريس نموذج الدولة المركزية، وبقيت اللامركزية خارج النص الدستوري الفعلي.








