لا يزال ملف العدالة الانتقالية في سوريا محط اهتمام السوريين، في ظل التباطؤ الحكومي في معالجته، فبرغم عقد عدة جلسات لمحاكمة متهمين، إلا نجاح الحكومة المؤقتة في سوريا بإدارة هذا الملف يتطلب كشف مصير المفقودين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق القانون، وتعويض الضحايا، وإصلاح المؤسسات التي ارتبط اسمها بتلك الانتهاكات.
تعتبر العدالة الانتقالية في جوهرها أوسع من إنشاء هيئات وعقد اجتماعات وإطلاق تصريحات رسمية ومناشدات مجتمعية، كما يحصل في سوريا، فهي تشمل مجموعة متكاملة من الإجراءات التي تهدف إلى معالجة آثار الانتهاكات وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
ووفق تعريف الأمم المتحدة، فإن العدالة الانتقالية هي مجموعة من الآليات القضائية وغير القضائية التي تعتمدها الدول الخارجة من النزاعات أو الأنظمة الاستبدادية لمعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بما يساعد على تحقيق العدالة وتعزيز سيادة القانون ومنع تكرار ما حدث.
مسارات العدالة الانتقالية
وعلى خلاف ما يعتقده كثيرون، فإن العدالة الانتقالية لا تبدأ بالمحاكم، ولا تنتهي عند إصدار الأحكام، بل تقوم على 4 مسارات مترابطة، لا يكتمل أحدها دون الآخر.
وبناءً على ما أوردته مؤسسات الأمم المتحدة، فأول هذه المسارات هو كشف الحقيقة، أي توثيق ما جرى، والاستماع إلى الضحايا والشهود، وكشف مصير المفقودين، وتحديد المسؤوليات وفق القانون، بما يضمن وجود رواية موثقة للأحداث بعيداً عن الإنكار أو التوظيف السياسي.
أما المسار الثاني فهو المساءلة القضائية، ويعني محاسبة من تثبت مسؤوليتهم عن الانتهاكات الجسيمة أمام قضاء مستقل، مع احترام ضمانات المحاكمة العادلة، وهو ما تؤكد الأمم المتحدة أنه يختلف عن الانتقام أو العقاب الجماعي.
ويتمثل المسار الثالث في جبر الضرر، ويشمل تعويض الضحايا ورد الاعتبار لهم، وإعادة الحقوق متى كان ذلك ممكناً، إضافة إلى تقديم أشكال مختلفة من الدعم النفسي والاجتماعي، والاعتراف الرسمي بما تعرضوا له.
أما المسار الرابع فهو إصلاح المؤسسات، ويشمل مراجعة عمل المؤسسات الأمنية والقضائية والإدارية، وتعزيز استقلال القضاء، وإرساء آليات رقابة تمنع تكرار الانتهاكات مستقبلاً.
العدالة الانتقالية في سوريا وغياب المسارات الأممية
في الحالة السورية، يرى حقوقيون أن تطبيق العدالة الانتقالية لا يقتصر على إنشاء الهيئات أو إصدار المراسيم، بل يتطلب الانتقال إلى خطوات عملية تشمل كشف مصير المفقودين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق القانون، وتعويض الضحايا، وإصلاح المؤسسات التي ارتبط اسمها بتلك الانتهاكات.
كما يشدد مختصون على أن نجاح هذا المسار يرتبط بشموله جميع الضحايا، وعدم التمييز بين الانتهاكات على أساس المنطقة أو الانتماء السياسي أو القومي أو الديني، لأن أي شعور بالانتقائية قد يضعف الثقة بالعدالة ويؤثر في فرص المصالحة الوطنية.








