<header id="header"> <div class="navbar navbar-expand-md nav-main"><nav class="container-xl"> <div class="collapse navbar-collapse"> <p class="post-summary" style="direction: rtl;"><strong>في وقتٍ نجحت فيه بعض تجارب العدالة الانتقالية، بينما تعثرت أخرى في دول عربية وأجنبية، يبقى السؤال مطروحاً: هل ستتعلم سوريا من تجارب الآخرين لبناء عدالة انتقالية شاملة تُسهم في تحقيق المصالحة والاستقرار، أم أنها ستواجه خطر تكرار الأخطاء التي أعاقت هذه المسارات وأفشلت أهدافها في دول أخرى؟</strong></p> <div class="post-image"></div> <div class="post-text mt-4"> <div class="d-flex post-share-buttons mb-4"></div> <p dir="RTL"><span lang="AR-SA">بعد أكثر من عام ونصف على سقوط نظام البعث (8 كانون الأول 2024)، لا يزال مسار العدالة الانتقالية في سوريا يواجه تحديات كبيرة، وسط مطالب متزايدة من الضحايا ومنظمات حقوق الإنسان بالانتقال من مرحلة الوعود إلى التنفيذ العملي.</span></p> <p dir="RTL"><span lang="AR-SA">ورغم إنشاء هيئات تُعنى بالعدالة الانتقالية وقضايا المفقودين، يؤكد مراقبون أن نجاح هذا المسار سيقاس بقدرتها الفعلية على كشف الحقيقة، وتحقيق المساءلة، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، وهي الركائز الأساسية التي تستند إليها الأمم المتحدة في مقاربتها للعدالة الانتقالية</span><span lang="AR-SA">.</span></p> <p dir="RTL"><span lang="AR-SA">وتبرز الحاجة إلى هذا المسار في ظل حجم الانتهاكات التي شهدتها سوريا خلال أكثر من 14 عاماً من النزاع، حيث تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى مقتل مئات آلاف المدنيين، فيما لا يزال أكثر من 100 ألف شخص في عداد المفقودين أو المختفين قسراً، بينما تتحدث منظمات حقوقية سورية عن توثيق أكثر من 181 ألف حالة اعتقال تعسفي أو اختفاء قسري منذ عام 2011، فضلاً عن ملايين النازحين واللاجئين، وآلاف حالات التعذيب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.</span></p> <p dir="RTL"><span lang="AR-SA">وفي ظل هذا الواقع، يرى مختصون أن سوريا ليست مضطرة لبدء الطريق من الصفر، إذ توفر تجارب دول أخرى دروساً مهمة في كيفية إدارة إرث الانتهاكات، من بينها أولاً فبعد عام 2003، ركز العراق على محاسبة رموز النظام البعثي السابق عبر المحكمة الجنائية العراقية العليا وسياسة "اجتثاث البعث"، إلا أن كثيراً من الباحثين والأمم المتحدة ذكروا أن غياب المصالحة الوطنية والإصلاح المؤسسي الشامل أسهم في تعميق الانقسامات السياسية والطائفية، ما جعل العدالة تبدو انتقائية لدى شرائح من المجتمع، وأثر في الاستقرار خلال السنوات اللاحقة</span><span dir="LTR">.</span></p> <p dir="RTL"><span lang="AR-SA">كذلك في تونس عقب ثورة 2011، أنشأت تونس هيئة الحقيقة والكرامة التي حققت في أكثر من 62 ألف ملف يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان بين عامي 1955 و2013، وعقدت جلسات استماع علنية وأوصت بإصلاحات وتعويضات للضحايا. إلا أن تعثر تنفيذ التوصيات والخلافات السياسية حدّا من أثر التجربة، ما جعلها مثالاً على أن إنشاء المؤسسات وحده لا يكفي من دون إرادة سياسية لاستكمال المسار.</span></p> <p dir="RTL"><span lang="AR-SA">وفي المغرب، اختارت الدولة مساراً مختلفاً عبر إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة عام 2004، والتي حققت في انتهاكات "سنوات الرصاص"، واستمعت إلى آلاف الضحايا، وأوصت بتعويض المتضررين وإصلاحات قانونية ومؤسساتية، لتصبح أول تجربة من نوعها في العالم العربي تعتمد الاعتراف الرسمي بالانتهاكات وجبر الضرر.</span></p> <p dir="RTL"><span lang="AR-SA">وأيضا في جنوب أفريقيا، وبعد انتهاء نظام الفصل العنصري عام 1994، أُنشئت لجنة الحقيقة والمصالحة عام 1995، وبدأت أعمالها في العام التالي، حيث استمعت إلى آلاف الضحايا والجناة، وربطت بين كشف الحقيقة وإمكانية منح عفو مشروط لمن يعترف اعترافاً كاملاً بجرائمه، ما ساهم في الحد من نزعات الانتقام ودعم الانتقال إلى النظام الديمقراطي.</span></p> <p dir="RTL"><span lang="AR-SA">أما رواندا، التي شهدت إبادة جماعية عام 1994 راح ضحيتها نحو 800 ألف شخص خلال نحو مئة يوم، فقد اعتمدت إلى جانب القضاء الدولي محاكم "الغاشاشا" المحلية، التي نظرت في ما يقارب مليوني قضية، وأسهمت في تسريع المحاسبة وإعادة دمج المجتمع، رغم استمرار الجدل حول بعض جوانب التجربة.</span></p> <p dir="RTL"><span lang="AR-SA">أما البوسنة والهرسك، فرغم محاكمة عشرات المسؤولين عن جرائم الحرب أمام المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة والمحاكم المحلية، فإن استمرار الانقسامات السياسية والخلاف حول الرواية التاريخية أظهر أن المحاكم وحدها لا تكفي لتحقيق مصالحة مستدامة إذا لم تترافق مع إصلاحات مؤسساتية ومجتمعية.</span></p> <p dir="RTL"><span lang="AR-SA">وتكشفت تجارب العراق والمغرب وتونس والبوسنة والهرسك، أن الاقتصار على بعض جوانب واساسيات العدالة الانتقالية دون استكمال بقية المسار قد يحد من أثرها، إذ ساعدت في الاعتراف بالانتهاكات أو محاسبة بعض المسؤولين، لكنها لم تنهي الانقسام المجتمعي أو تحقق مصالحة دائمة، ما أبرز أهمية الجمع بين المساءلة وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات لضمان استقرار طويل الأمد.</span></p> <p dir="RTL"><span lang="AR-SA">في المقابل، تظهر تجارب جنوب أفريقيا ورواندا أن العدالة الانتقالية يمكن أن تسهم في تهدئة الانقسامات وإعادة بناء الثقة داخل المجتمع عندما تقترن بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين وإشراك الضحايا في مسار العدالة، رغم استمرار الجدل في كلا البلدين حول حدود العفو وضمانات المحاكمات.</span></p> <p dir="RTL"><span lang="AR-SA">وتؤكد الأمم المتحدة في إفاداتها المستمرة عن تلك التجارب مع كل مناسبة، أن هذه التجارب، رغم اختلافها، تشترك في حقيقة واحدة، وهي أنه لا توجد وصفة موحدة للعدالة الانتقالية، بل مبادئ عامة ينبغي تكييفها مع ظروف كل دولة، مع الحفاظ على ركائزها الأساسية المتمثلة في كشف الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، وإشراك الضحايا في صياغة المسار.</span></p> <p dir="RTL"><span lang="AR-SA">ويرى حقوقيون أن تجاهل هذه الدروس قد يدفع سوريا إلى إعادة إنتاج أسباب الصراع، إذ إن غياب المحاسبة أو الاقتصار عليها بشكل انتقائي، وعدم كشف مصير المفقودين، أو تأخير إصلاح المؤسسات، قد يرسخ فقدان الثقة بين المجتمع والدولة ويغذي الانقسامات ويهدد فرص الاستقرار على المدى البعيد.</span></p> <p dir="RTL"><span lang="AR-SA">وفي المقابل، يؤكدون إن الاستفادة من التجارب الدولية لا تعني استنساخها، بل بناء نموذج سوري يستند إلى المعايير الدولية ويأخذ في الاعتبار خصوصية المجتمع السوري وتنوعه، بما يحقق عدالة شاملة لجميع الضحايا دون تمييز.</span></p> <p dir="RTL"><span lang="AR-SA">غداً: </span><span lang="AR-SA">السوريون يتحدثون: أيُّ عدالةٍ يريدون؟</span></p> </div> </div> </nav></div> </header><section class="section section-page"> <div class="container-xl"></div> </section>