بعد مرور قرن كامل على أول انتفاضة كردية كبرى ضد الدولة التركية الحديثة، يُطلق القائد عبد الله أوجلان نداء جديدا يدعو فيه إلى السلام وبناء مجتمع ديمقراطي، واضعاً بذلك حجر الأساس لتحول سياسي كبير قد يعيد رسم العلاقة بين الدولة التركية والشعب الكردي، ويرسخ السلام في الشرق الأوسط.
في الذكرى المئوية لإعدام شيخ سعيد بيران، تعود الذاكرة إلى لحظة تاريخية فاصلة كانت فيها الهوية الكردية مهددة بالتلاشي. بعد إلغاء معاهدة سيفر وتضييق الخناق على أي نشاط سياسي كردي، اجتمعت القيادات الكردية في جبل جاني، لتبدأ شرارة الانتفاضة بقيادة شيخ سعيد في شباط 1925.
انتفاضة شيخ سعيد بيران 1925..انطلاقة النضال المسلح ضد المجازر والقمع
تمكنت الانتفاضة من تحرير معظم مناطق شمال كردستان، لكنها تعرضت لضربة قاسية بعد خيانة مرشد القافلة، واعتقال القادة، ما مهد لمجزرة قاسية ارتكبتها الدولة التركية، راح ضحيتها أكثر من 22 ألف كردي، بالإضافة إلى تهجير مئات الآلاف وتدمير مئات القرى.
استمرار الحراك الشعبي..من آكري إلى ديرسم رغم القمع العسكري الدموي
لم تكن انتفاضة شيخ سعيد إلا بداية لمسار طويل من الحراك الشعبي، حيث اندلعت لاحقاً انتفاضة آكري بقيادة الجنرال إحسان نوري باشا، تلتها انتفاضة ديرسم بزعامة سيد رضا، وكلتاهما واجهتا قمعاً عسكرياً دموياً مدعوماً من قوى دولية. ورغم المحاولات المتكررة، اصطدمت تلك الانتفاضات بجدران التحالفات الإقليمية والتواطؤ الدولي، دون أن تنجح في تحقيق الحقوق القومية للكرد.
التحول الاستراتيجي من الكفاح المسلح إلى طريق السياسة..تأسيس حزب العمال الكردستاني
في نهاية السبعينات، تأسس حزب العمال الكردستاني بقيادة عبد الله أوجلان، ليشكل لاحقاً قوة فاعلة في القضية الكردية. وبعد سنوات من الصراع المسلح، واختطاف القائد أوجلان عام 1999، بدأ الحزب بإعادة تقييم مواقفه، وصولاً إلى تبني نهج جديد يقوم على العمل السياسي الديمقراطي.
وفي 27 شباط 2025، وجه القائد أوجلان نداءه التاريخي من داخل سجن إمرالي، داعياً إلى إنهاء العمل المسلح وفتح صفحة جديدة عنوانها الحوار والمواطنة المتساوية. ليتوج ذلك بإعلان حزب العمال الكردستاني في مؤتمره الأخير إنهاء الكفاح المسلح من طرف واحد.
نداء القائد أوجلان..فرصة تاريخية أمام تركيا للسلام مع الشعب الكردي
هذا النداء من قبل القائد أوجلان يمثل فرصة نادرة أمام الدولة التركية، فقد آن الأوان للانتقال من المقاربات الأمنية إلى منطق التفاوض السياسي والاعتراف المتبادل؛ فالكرة اليوم في ملعب أنقرة، التي تستطيع من هذه اللحظة التأسيس لعهد جديد يضمن الشراكة الوطنية ويعترف بالتنوع الثقافي واللغوي للمجتمع التركي.
فهل سيرد النظام التركي على نداء السلام بخطوات عملية أم يواصل سياسة التهميش والتجاهل؟ ليعيد التاريخ نفسه وتُجهَض المبادرة كما جرى في 2015؟ الإجابة ستحدد مستقبل المنطقة وفرص السلام لعقود قادمة.








