في الذكرى الـ13 لثورة 19 تموز، تتصدر المرأة مشهد التغيير في شمال وشرق سوريا، بعد مسيرة نضالية حافلة حوّلتها من مهمّشة في الدساتير والقوانين إلى شريكة فعلية في صنع القرار, حيث باتت ثورة 19 تموز، تُعرف بـ”ثورة المرأة”، مجسدة نموذجًا رائدًا في المنطقة، تتقدمه النساء، دفاعًا عن الحرية والعدالة والمساواة.
تُشكّل الذكرى الثالثة عشرة لثورة 19 تموز محطة بارزة في مسيرة نضال المرأة في شمال وشرق سوريا، والتي لعبت دورًا محوريًا في قيادة الثورة وتحويلها إلى تجربة فريدة في التحرر والتنظيم السياسي والاجتماعي.
المرأة..عقود من التهميش الدستوري والسياسي في سوريا
فعلى مدى عقود، غابت المرأة عن مواقع التأثير في سوريا، رغم الإشارات الشكلية في الدساتير التي لم تمنحها سوى حق المشاركة، دون ضمانات فعلية. ويظهر ذلك في تمثيل المرأة الضعيف داخل السلطة التشريعية، حيث لم تتجاوز نسبتها في مجلس الشعب 10%، بينما لم تشغل أي امرأة منصب رئاسة الحكومة أو الدولة على مدى أكثر من قرن.
بداية التنظيم النسوي..من اتحاد ستار إلى شبكة مؤسسات متكاملة
لكن مع انطلاق ثورة 19 تموز، بدأت مرحلة جديدة من التنظيم والتمكين. فقد كانت النساء الكرديات والعربيات والسريانيات والآشوريات من أولى من واجهن سياسات الإقصاء، وأنشأن منذ عام 2005 أول تنظيم نسائي باسم “اتحاد ستار”، الذي تحوّل لاحقًا إلى مؤتمر ستار، ليشكّل نواة لحراك نسوي مؤسسي واسع النطاق.
الإدارة الذاتية..نموذج فريد لتمكين المرأة سياسياً وقانونياً
وتوّج هذا التحوّل بتبني نظام الإدارة الذاتية الديمقراطية مبدأ الرئاسة المشتركة، وفرض نسبة تمثيل نسائي تبلغ 50% في جميع مؤسسات الحكم، وهو ما وثّقه العقد الاجتماعي الصادر في ديسمبر 2023، الذي يجرّم أي شكل من أشكال العنف والتمييز ضد المرأة.
قانون المرأة..نحو ضمانات تشريعية شاملة
كما شهدت السنوات الماضية صدور قانون المرأة عام 2014، الذي تطور لاحقاً إلى قانون الأسرة، ويضم 41 مادة تكفل الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتُطبَّق عبر مؤسسات عدلية نسائية مستقلة.
المرأة في شمال وشرق سوريا تبني مؤسساتها وتدير شؤون مجتمعها
وفي إطار التنظيم المؤسساتي، أسّست النساء في شمال وشرق سوريا، العشرات من الهيئات والمجالس والاتحادات، من أبرزها: مجلس المرأة السورية، مؤتمر ستار، اتحاد المرأة السريانية، واتحاد المرأة الإيزيدية. كما شاركن ضمن الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني.
الدفاع الذاتي..المرأة في الصفوف الأمامية
وفي مجال الحماية، شكّلت المرأة وحدات عسكرية مستقلة مثل وحدات حماية المرأة، إلى جانب تشكيلات أمنية خاصة بكل مكوّن، ما أتاح لها دورًا رياديًا في الدفاع عن المجتمع خلال سنوات الحرب والصراع.
الثقافة والفن..أصوات نسائية تعبّر وتبدع
أما في المجال الثقافي، فقد برزت مؤسسات مثل هلال زيرين، وسينما المرأة، ومدارس الفن التشكيلي، والتي أتاحت للنساء التعبير عن قضاياهن وهوياتهن الإبداعية.
الدبلوماسية النسوية..حضور دولي متصاعد
وعلى الصعيد الدبلوماسي، تشارك النساء في جميع المحافل الدولية، وتترأس الوفود التفاوضية باسم شمال وشرق سوريا، وتواصل تعزيز العلاقات الخارجية في إطار مساعي بناء كونفدرالية المرأة.
المؤتمرات النسوية..توسيع الحراك وتوحيد الرؤية
وشهد عام 2024 انعقاد سلسلة مؤتمرات نسوية، شاركت فيها مختلف المكونات، وناقشت تطوير العمل النسوي، وتوسيع نظام الرئاسة المشتركة، وتوحيد الموقف تجاه قضية المرأة وحقوق المكونات.
الواقع السوري بعد الثورة..حقوق المرأة لا تزال مغيبة
الحكومة الانتقالية في سوريا، لم تختلف عن سابقاتها، فلا تزال المرأة محرومة من حقوقها الأساسية، ما يجعل تجربة شمال وشرق سوريا نموذجًا فريدًا، ومصدر إلهام لحركات نسوية في مناطق ودول أخرى.
ثورة المرأة..تجربة ملهمة ونموذج تغييري متكامل
إن ثورة 19 تموز، التي سميت بـ”ثورة المرأة”، أرست تحولاً جذرياً في مفهوم المشاركة، حيث لم تعد المرأة مجرد فاعل ثانوي، بل أصبحت حجر الأساس في مشروع مجتمعي ديمقراطي، متعدد، ومتحرر.







