في 8 كانون الأول يستذكر السوريون سقوط نظام البعث؛ إلا أن من ادعوا أنهم حرروا البلاد جلبوا فراغاً أمنياً استغلته إسرائيل، وشكلوا ميليشيات طائفية، وارتكبوا مجازر في الساحل والسويداء، فيما ترزح البلاد تحت انهيار معيشي واقتصادي حاد.
بحلول الثامن من كانون الأول 2025، تكمل “هيئة تحرير الشام”، التنظيم المصنّف إرهابياً دولياً، عامها الأول في حكم دمشق بعد سقوط نظام البعث إثر صفقة إقليمية-دولية غامضة المعالم.
لساعات قليلة فقط تنفّس السوريون الصعداء ظانّين أن نصف قرن من الاستبداد قد انتهى، لكن ذلك الأمل الوليد سرعان ما تحطّم على صخرة قرارات وممارسات أعادت الخيبة بثوب جديد أكثر قسوة وطائفية.
بعد مرور عام كامل – وليس مائة يوم فقط كما يقتضي العرف السياسي – يحق للسوريين أن يطرحوا سؤالاً واحداً صارخاً: ما الذي أنجزته هذه السلطة فعلياً؟
إسرائيل استثمرت الفراغ الأمني ودمرت ما تبقى من قدرات عسكرية في سوريا
بدأت السلطة الجديدة مشوارها بحلّ الجيش السوري والشرطة والأجهزة الأمنية بالكامل، مما خلق فراغاً أمنياً مرعبًا استغلّته «إسرائيل» أبشع استغلال عبر غارات واسعة دمّرت ما تبقّى من قدرات جوية وبرية وبحرية.
الجيش في سوريا تحول إلى ميليشيا طائفية متعددة الجنسيات
وفي موازاة ذلك، شرعت في بناء قوات جديدة أحادية الطائفة، فرفّعت ضباطاً معروفين بجرائمهم، وضمت إلى صفوفها عرباً وأجانب بينهم متطرفون، فتحولت البلاد إلى خليط مسلح لا يجمعه سوى الولاء الأعمى للسلطة.
تدمير الإدارة المدنية.. إجازات قسرية وطرد تعسفي واستبدال الكفاءة بشيوخ بصلاحيات مطلقة
لم يكن الوضع الإداري أرحم. فعشرات الآلاف من الموظفين أُرغموا على إجازات قسرية، وآلاف طُردوا بلا مسوّغ قانوني، بينما نُقل عمال تعسفياً إلى محافظات بعيدة لدفعهم إلى الاستقالة.
أُوقفت رواتب المتقاعدين العسكريين بعد 2011، وحُلّت النقابات وأُعيد تشكيلها بالتعيين الطائفي، واستُبدلت القيادات الإدارية بشيوخ يملكون سلطات مطلقة، في استخفاف صارخ بحقوق الناس وكرامتهم.
موت السياسة ومسرحية “الحوار الوطني” وإعلان دستوري أشد استبداداً من نظام الأسد نفسه
أوقفت السلطة الدستور، وحلّت أحزاب الجبهة، وصادرت ممتلكاتها. ثم نظّمت «حواراً وطنياً» هزلياً استمر ست ساعات فقط، أعطي فيه كل مشارك أقل من دقيقة للكلام. تبع ذلك حكومة انتقالية بلون واحد ووزيرة يتيمة للزينة.
وبعد مجازر الساحل المروعة، وقّعت اتفاقاً مع قوات سوريا الديمقراطية في 10 آذار، لكنها بعد ثلاثة أيام فقط أطاحت به عبر إعلان دستوري أقسى وأشد استبداداً من أي نظام سابق، ومن يومها تواصل المماطلة والتنصّل من كل التزام.
انهيار السلم الأهلي.. مجازر الساحل والسويداء وتشجيع “الفزعات” وأسلمة المجتمع بالإكراه
ارتكبت مجازر مروّعة في الساحل والسويداء، وتواصلت التهديدات ضد الكرد، بينما باركت السلطة «الفزعات» وشجعت الثأر الطائفي. انتشر الخطف والقتل والابتزاز، وهاجمت مجموعات تابعة لها أحياء العلويين في دمشق مهددةً بإخلاء البيوت.
وفي الوقت نفسه، فرضت أسلمة قسرية: تدخل في اللباس والاختلاط، مداهمة محال المشروبات، لافتات دعوية في كل مكان، وكتابة عبارات طائفية على جدران الكنائس والمعابد، في انتهاك صارخ لحرية المعتقد.
انهيار معيشي شامل وعلاقات خارجية متزلفة وصمت مذل أمام الغارات الإسرائيلية
قفزت الأسعار، رُفعت تعرفة الكهرباء والاتصالات، عُدّلت المناهج والعطل بما يناسب عقيدة الهيئة، وانهار القضاء تماماً.
خارجياً، قدّمت السلطة خطاباً متزلّفاً للجميع، وصمتت صمت القبور أمام الغارات الإسرائيلية معلنة استعدادها لأي تنازل مقابل البقاء.
اقتصاد في الحضيض.. بضائع تركية تغزو الأسواق وعقود وهمية بمليارات الدولارات
استمر الانهيار الاقتصادي بسبب انعدام الأمن وتهالك البنية التحتية، توقفت معامل، غُمرت الأسواق بالبضائع التركية، انهار القطاع الزراعي لغياب الدعم، وأُبرمت عقود بمليارات الدولارات مع شركات وهمية لم يرَ أحد أثرها، وسط تبجّح كاذب بتحسن سريع للواقع المعيشي.
كل هذه الإجراءات لم تكن عشوائية، بل خطوات مدروسة ضمن أجندة محكمة متفق عليها مع قوى إقليمية ودولية، تهدف إلى إضعاف الدولة السورية بشكل ممنهج وإدامة السيطرة على حساب الشعب.








