يشير الخبير الاقتصادي والأكاديمي البروفيسور الدكتور مصطفى دورموش أن الاقتصاد التركي يعيش أزمة حقيقة منذ عام 2015، موضحاً أن التضخم المرتفع، وعجز الحساب الجاري والموازنة، والسياسات الاقتصادية الحالية، وضعت البلاد أمام أزمة إنتاج حقيقية
يعاني الاقتصاد التركي من تضخم متسارع وتراجع في القدرة الشرائية، مع بلوغ معدلات التضخم مستويات تتجاوز32.4% مؤخراً بعد بلوغها حاجز 75% في فترات سابقة، تشمل جذور هذه الأزمة الإفراط في العجز الجاري، والديون الخارجية، والسياسات النقدية السابقة الخاصة بأسعار الفائدة.
تحدث الخبير الاقتصادي والأكاديمي البروفيسور الدكتور مصطفى دورموش، خلال حوار لوكالتنا، عن واقع الاقتصاد في تركيا، واستراتيجية الحكومة، وظروف معيشة المواطنين، وأزمة الأجور والبطالة، بالإضافة إلى تأثير الحرب والتوترات في الشرق الأوسط على الاقتصاد التركي. من أبرز التحديات التي تواجهها، ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وزيادة معدلات البطالة.
·كيف تقيمون الوضع العام للاقتصاد التركي؟
أزمة حقيقة تواجه البلاد
يمر الاقتصاد التركي منذ عام 2015 بإحدى أكبر أزماته، حيث بات متوسط دخل الفرد في عام 2025 أقل مما كان عليه قبل عشرة أعوام. بسبب سياسة الحكومة التي تعتمد على إبقاء سعر صرف الدولار منخفضاً، بالتالي إظهار قيمة الليرة بأعلى من قيمتها الحقيقية، ما يؤدي إلى رفع متوسط دخل الفرد على الورق فقط، في حين لا يتجاور الدخل الحقيقي 17 ألف دولار سنوياً. مما يظهر تراجع مستوى الرفاه في تركيا بصورة ملحوظة خلال العقد الأخير.
النقطة الثانية التي تعاني منها تركيا هي المستوى المرتفع للتضخم المرتفع، حيث تحتل تركيا المرتبة الأولى أوروبياً والثانية بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ((OECD) بعد الأرجنتين من حيث معدلات التضخم، مما يزيد من حالة الفقر وانعدام الاستقرار الاقتصادي.
النقطة الثالثة تتضمن نقاط ضعف الاقتصاد التركي وجود عجزين خطيرين، الأول في الحساب الجاري، والثاني في الموازنة العامة. كما أن عجز الحساب الجاري يعني أن عائدات الصادرات والسياحة لم تعد تكفي لتغطية فاتورة الاستيراد، الأمر الذي يجعل الاقتصاد يعتمد بشكل متزايد على تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية قصيرة الأجل.
والخطر الموجود يكمن في أي تراجع في هذه التدفقات، لأسباب اقتصادية أو سياسية أو جيوسياسية، أو خروج رؤوس الأموال من البلاد، قد يدفع تركيا إلى أزمة في العملات الأجنبية، كما حدث خلال أزمة القس الأمريكي أندرو برونسون عام 2018.
كما أن الموازنة العامة تعاني من عجز كبير، نتيجة الإنفاق الكبير على فوائد الديون، والمشاريع العسكرية، ودعم رؤوس الأموال، مما يهدد تركيا بأزمة مالية حقيقة.
·ما هي الاستراتيجية الاقتصادية التي تتبعها الحكومة الحالية؟
تتبع الحكومة التركية على معالجة نتائج الأزمة بدلاً من أسبابها. وذلك بسبب اعتمادها على سياسة “تجارة الفائدة” لمنع حدوث أزمة في سعر الصرف.
مع تقديمها لأسعار فائدة مرتفعة لجذب رؤوس الأموال الأجنبية، من جانب آخر تفرض قيوداً على سوق الصرف، ما يؤدي إلى تدفق ما يعرف بـ “الأموال الساخنة” إلى البلاد. وتعد هذه السياسية ذو تكلفة عالية، إذ يضطر البنك المركزي إلى بيع العملات الأجنبية باستمرار للحد من تقلبات سعر الصرف، الأمر الذي يؤدي إلى استنزاف احتياطاته، فيما يترتب على إعادة تكوين تلك الاحتياطات تكاليف كبيرة. حيث تحقق هذه السياسة، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي، أرباحاً للمضاربين الكبار في الأسواق المالية، بينما تؤدي إلى إفقار المواطنين بصورة أكبر.
·كيف يبدو الوضع الاقتصادي في تركيا؟ ولماذا ترتفع تكاليف المعيشة والأسعار باستمرار؟
يشهد مستوى المعيشة في تركيا، بالأخص لدى العمال والمزارعين وأصحاب المشاريع الصغيرة، تراجعاً ممنهجاً خلال السنوات العشر الأخيرة، بسبب غرق المواطنين في الديون المترتبة عليهم نتيجة الضرائب المفروضة عليهم من قبل الحكومة وسياستها الاقتصادية.
حيث يفاقم التضخم المرتفع والبطالة المتزايدة معاناة المجتمع، في حين تؤدي سياسات الموازنة التي تنتهجها الحكومة ضد العمال إلى توسيع رقعة الفقر. مع الفروق الموجودة في توزيع الدخل الذي يشهد ظلم كبير، ليس فقط بين العمل ورأس المال، وإنما أيضاً بين مناطق البلاد، حيث أن متوسط دخل الفرد في ولايات جولمرك وآكري وموش لا يتجاوز ثلث متوسط الدخل على مستوى تركيا.
·رغم رفع الحد الأدنى للأجور ورواتب الموظفين بشكل منظم، يقول المواطنون: “أصبحنا أفقر من العام الماضي”.. ما هي الأسباب؟
الأجور الحالية لا تكفي لتأمين الحد الأدنى من المعيشة
كلما ارتفع التضخم في تركيا، تراجعت القيمة الحقيقية للأجور والدخول. مع فقدان الحد الأدنى للأجور فقد خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي نحو 4 آلاف ليرة تركية من قيمته الحقيقية، فيما خسر المتقاعدون قرابة 3 آلاف ليرة من قدرتهم الشرائية. واليوم يعيش العمال والمتقاعدون حالة من الفقر لم تشهدها البلاد من قبل.
مع العلم أن المشكلة لا تكمن فقط في التضخم، بل أيضاً في انخفاض مستويات الأجور، مع عدم قدرة المواطنين في تأمين احتياجاتهم الأساسية حتى لو تراجع التضخم.
يشكل الحد الادنى للأسرة مكونة من أربعة أفراد 35 ألف ليرة تركية، وخط الفقر 114 إلى ألف ليرة، تكمن المشكلة الأساسية في تدني الأجور، والسبب الأساسي يعود إلى طريقة توزيع الدخل، إذ لا يحصل أصحاب الأجور سوى على ثلث الدخل القومي، بينما تذهب الحصة المتبقية إلى رأس المال والدولة.
كما أن معالجة الأزمة لا تقتصر على خفض التضخم، بل تتطلب أيضاً رفع الأجور إلى مستويات تؤمن حياة كريمة للأسر، بالإضافة إلى سياسية تنصف العمال، إلى جانب نضال منظم من قبل الطبقة العاملة والكادحين.
وتصل معدلات البطالة العامة إلى 8 و9 %، بينما تتجاوز نسبة البطالة بين الشباب إلى 20 %.
تحولت البطالة إلى جرح عميق ومشكلة اجتماعية مزمنة. على الرغم من إعلان وجود نحو 3.5 ملايين عاطل عن العمل، لكن العدد الحقيقي يتجاوز 11 مليون شخص.
مع إعلان معدل البطالة الرسمي بالمعنى الضيق بلوغه 8.2 بالمئة، لكن المعدل الحقيقي يقترب من 30 %، وهو الأعلى على مستوى أوروبا.
بلغت نسبة البطالة بين الشباب مستويات خطيرة، حيث يعاني واحد من كل ثلاثة شبان في سن العمل من البطالة، كما أن نحو 28 % من الشباب لا يعملون ولا يواصلون تعليمهم.
يشكل نسبة البطالة بين النساء ضعفي معدل البطالة بين الرجال، وهو ما يظهر السياسية التمييزية والعنصرية للدولة تجاه النساء.
من بين كل 100 امرأة في سن العمل، لا تعمل سوى 28 امرأة، وهو ما يعكس حجم التهميش والتمييز الذي تتعرض له المرأة في تركيا.
·هل للحروب والأزمات في الشرق الأوسط أثر على الاقتصاد التركي؟
أثرت الحروب والصراعات الدائرة في الشرق الأوسط، بشكل مباشر على الاقتصاد التركي ظهر، ذلك بوضوح خلال الحرب في سوريا وغزة، وكذلك في الحرب الإيرانية الإسرائيلية.
خصوصاً مع ارتفاع أسعار النفط والأسمدة أدى إلى زيادة تكاليف الطاقة والمواد الغذائية، الأمر الذي انعكس على أسعار السلع والخدمات ورفع معدلات التضخم.
في جانب آخر، يعد ربط التضخم المرتفع في تركيا بالحروب بالأمر غير الدقيق، مع وجود معدلات التضخم في دول تشهد حروباً مثل إسرائيل وروسيا وأوكرانيا لا تتجاوز ما بين خمس إلى عشر معدل التضخم المسجل في تركيا، وهو ما يدل، على وجود أسباب داخلية أكثر تأثيراً.
تتمثل الأسباب الرئيسة للتضخم في تركيا بارتفاع أسعار الصرف نتيجة السياسات الخاطئة المتعلقة بأسعار الفائدة، وتراجع قيمة الليرة التركية، واعتماد قطاعي الإنتاج والتصدير بشكل كبير على الواردات، مثل التوسع في منح القروض قبيل الانتخابات، والسياسات النقدية والمالية التوسعية.
بالإضافة إلى الأرباح الكبيرة التي حققتها البنوك، والتي ارتفعت إلى نحو أربعة أضعاف، وقيام سلاسل المتاجر الكبرى برفع الأسعار، وارتفاع النفقات الأمنية، كلها عوامل ساهمت في تفاقم التضخم.
تستخدم السلطة السياسية التضخم، كأداة لنقل الثروة من الفئات الفقيرة إلى الفئات الغنية، فضلاً عن كونه وسيلة غير مباشرة لزيادة الإيرادات الضريبية.
·كلمة أخيرة؟
الحروب لا تؤدي فقط إلى سقوط الضحايا وتدمير البيئة وزيادة أعداد المهجرين، بل تلحق أيضاً أضراراً كبيرة بالاقتصاد. والمشروع الديمقراطي والمبني على السلام وحده يكفل فتح آفاق جديدة للبلاد.








