ما يزال ملف العدالة الانتقالية في سوريا من أبرز القضايا التي تشغل السوريين، رغم مرور أكثر من عام ونصف على سقوط نظام البعث. ويرى مراقبون أن نجاح المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد يرتبط إلى حد كبير بقدرة الحكومة المؤقتة على إدارة هذا الملف بكفاءة وشفافية.
بعد أكثر من عام ونصف على سقوط نظام البعث، لا يزال ملف العدالة الانتقالية يحتل صدارة اهتمامات السوريين، وسط تأكيدات من مراقبين بأن نجاح المرحلة الانتقالية مرهون بمدى قدرة الحكومة المؤقتة على إدارة هذا الملف بالشكل الأمثل.
الحكومة المؤقتة تطلق الهيئة الوطنية لقيادة مسار العدالة الانتقالية
ورغم التصريحات الحكومية التي تؤكد السعي إلى كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وإنصاف الضحايا، فإن تقييم مسار العدالة الانتقالية يقتضي التمييز بين بناء المؤسسات القانونية والإدارية من جهة، وتحقيق نتائج قضائية ملموسة على الأرض من جهة أخرى، بحسب حقوقيين.
تمثلت الخطوة الأولى في هذا الملف بإصدار رئيس الحكومة المؤقتة، أحمد الشرع، في أيار من العام الماضي، مرسوماً يقضي بإنشاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، بوصفها الجهة الرسمية المكلفة بقيادة هذا المسار.
ورغم الانتقادات التي طالت رئيس الهيئة وبعض أعضائها، ركزت الهيئة خلال الأشهر التالية على بناء هياكلها التنظيمية الداخلية، وعقد لقاءات مع ذوي الضحايا ومنظمات المجتمع المدني وممثلي المحافظات، إضافة إلى فتح قنوات تعاون مع جهات دولية متخصصة في العدالة الانتقالية، وفق ما أوردته وسائل الإعلام الرسمية.
الحقوقيون يطالبون بمساءلة شاملة لجميع المتورطين في الانتهاكات
ويؤكد معارضون وناشطون حقوقيون أن نجاح العدالة الانتقالية في سوريا يتطلب شمول جميع الانتهاكات التي شهدتها البلاد خلال سنوات النزاع، بغض النظر عن الجهة المسؤولة عنها، محذرين من أن حصر المساءلة بطرف واحد قد يضعف فرص تحقيق مصالحة وطنية شاملة ويثير اتهامات بالانتقائية.
وبحسب ما أمكن توثيقه من التصريحات الرسمية والتغطيات الإعلامية، بدأت إجراءات قضائية بحق عدد من الشخصيات المرتبطة بالنظام البعثي، إلا أن السلطات لم تنشر حتى الآن إحصاءً رسمياً شاملاً يتضمن عدد المحاكمات المنجزة أو الأحكام الصادرة أو عدد المدانين بصورة نهائية.
الحكومة المؤقتة تواصل ملاحقة رموز النظام البعثي وسط غياب بيانات تفصيلية
في المقابل، أعلن مسؤولون حكوميون وجود آلاف الموقوفين المرتبطين بملفات النظام البعثي والتحقيقات الجارية بشأنها، من دون نشر قاعدة بيانات تفصيلية للرأي العام، باستثناء صور ومعلومات عن إلقاء القبض على شخصيات عسكرية وأمنية مرتبطة بالنظام السابق.
التسويات تثير جدلا واسعا بشأن التعامل مع شخصيات مرتبطة بالنظام السابق
وخلال المرحلة المؤقتة، برزت انتقادات من ناشطين وحقوقيين بسبب ما وصفوه بالغموض في التعامل مع شخصيات اقتصادية وقبلية وسياسية كانت مرتبطة بالنظام البعثي.
ومن بين الأسماء التي دار حولها نقاش عام رجال أعمال ومسؤولون سابقون وشخصيات عشائرية بارزة، حيث أُثيرت تساؤلات بشأن ما إذا كانت الدولة تتجه نحو تسويات سياسية أو اجتماعية مع بعض الشخصيات بدلاً من إخضاعها لمسار قضائي كامل.
الحكومة المؤقتة تؤكد أن معالجة إرث النظام البعثي تحتاج إلى وقت وإجراءات متدرجة
إلا أن الحكومة لم تعلن حتى الآن سياسة واضحة تحدد معايير هذه التسويات، أو تشرح بصورة تفصيلية الحدود الفاصلة بين المصالحة المجتمعية والمساءلة القضائية.
المنتقدون يشددون على أن العدالة تقاس بالنتائج لا بالوعود والاجتماعات
وفي حين تؤكد الحكومة المؤقتة أن هذا المسار يحتاج إلى وقت نظراً لضخامة التركة التي خلفها النظام السابق، يرى منتقدون أن العدالة الانتقالية لا تُقاس بعدد الاجتماعات والبيانات، بل بقدرة الدولة على تحويل الوعود إلى مؤسسات فاعلة ونتائج ملموسة على أرض الواقع.







