اتسم العام الماضي بسياسة فرز وضغط استهدفت المكونات السورية عبر التحريض الإعلامي والتحركات العسكرية وتعطيل التفاهمات، فيما سعت هذه المكونات إلى تنظيم جهودها وتأسيس أطر بديلة لإدارة شؤونها، مع محاولة الانخراط في مسارات وطنية أوسع رغم التحديات المستمرة.
بعد مرور عام كامل على سقوط نظام البعث في كانون الأول 2024 وتسلم “هيئة تحرير الشام” زمام الحكم عبر حكومة انتقالية، تحولت الوعود ببناء دولة جامعة ومتساوية إلى واقع من الإقصاء والتحريض، أدى إلى تفكك النسيج الاجتماعي وظهور بؤر توتر جديدة في معظم المناطق السورية.
في السياق؛ وثقت منظمات حقوقية مقتل 3908 مدنيين على أسس طائفية ودينية حتى تشرين الثاني 2025، في مناخ سمح بتحول المنابر الإعلامية والمساجد إلى أدوات تحريض دون أي تدخل رسمي للجمها.
تصاعد العنف الطائفي وتحول التجمعات العامة لمنصات تحريض دون رادع
منذ الأيام الأولى للحكومة الانتقالية، تبنت خطاباً يربط الطوائف والقوميات غير السنية بالنظام السابق، مما فتح الباب واسعاً أمام اعتداءات يومية.
سجلت حالات ضرب وطرد طلاب دروز من جامعات دمشق وحلب، واعتداءات متكررة على شبان كرد في حلب والشهباء، إلى جانب عمليات قتل واختطاف طالت عشرات العلويين في مناطق متفرقة.
الساحل السوري تحت وطأة خطاب إقصائي رسمي وهجمات ممنهجة بدافع التحريض
اعتمدت الحكومة الانتقالية خطاباً يصنّف العلويين كامتداد للنظام السابق، مما جعل الساحل هدفاً دائماً. بلغ التوتر ذروته في آذار 2025 بهجوم واسع النطاق على قرى وبلدات اللاذقية وطرطوس، سبقه تحريض مباشر من منابر مساجد في إدلب وحماة وحلب.
ردّاً على ذلك، أعلن تأسيس “المجلس الإسلامي العلوي في سورية والمهجر”، ودعا رئيسه الشيخ غزال غزال إلى احتجاجات بعد أحداث حمص الأخيرة، مطالبًا بضمانات حقيقية.
كما أعلن في آب عن “المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا”، لكن نشاطه بقي رمزياً ولم يؤثر على الأرض.
السويداء.. تهميش متعمد رغم دورها التاريخي في حماية البلاد من مرتزقة داعش
أقصت الحكومة الانتقالية فصائل السويداء المحلية التي حمَت المنطقة من مرتزقة داعش طوال الحرب، رغم استعدادها للاندماج في مؤسسات الدولة.
خلال 2025، تصاعد التحريض الرسمي ضد المكون الدرزي، فتعرضت أحياء درزية في ريف دمشق للاعتداء، ثم جاء هجوم تموز الكبير على السويداء وريفها، مخلّفاً مئات القتلى والجرحى.
ردت السويداء بتنظيم داخلي متسارع: شكلت “اللجنة القانونية العليا” مكتباً تنفيذياً مؤقتاً لإدارة الشؤون الأمنية والخدمية، وأطلقت لجان إغاثة وتوثيق انتهاكات، ثم أعلنت فصائل محلية اندماجها تحت راية “الحرس الوطني” بقيادة الشيخ حكمت الهجري.
شمال وشرق سوريا تواجه حملة تشويه لكنها تحافظ على إدارتها وتمد يد العون للمناطق الأخرى
لم تسلم الإدارة الذاتية من التحريض الحكومي الذي اتهمها بالتقسيم والارتباط الخارجي. رغم توقيع اتفاق في آذار 2025 برعاية دولية لدمج المؤسسات، تعثر التنفيذ بسبب مماطلة دمشق والضغط التركي.
ردت الإدارة بتعزيز عقدها الاجتماعي وتنظيم مؤتمرات وطنية، أبرزها “مؤتمر وحدة الموقف والصف الكردي” و”مؤتمر المكونات السورية” في الحسكة آب 2025، مما أثار غضب الحكومة.
على الأرض، أرسلت الإدارة مساعدات إغاثية إلى السويداء بعد هجمات تموز، وإلى الساحل خلال حرائق الصيف، مؤكدة رغبتها في لعب دور وطني جامع.
وأكدت قوى المنطقة التزامها باتفاق آذار دون التفريط بالمكتسبات، مشددة على أن “سوريا لن تعود إلى ما قبل 2011”.
غياب الدور الحكومي الجامع يبقي سوريا على مفترق طرق بين تصعيد شامل أو تهدئة هشة
يبقى المشهد السوري معلقاً بين احتمالين: تصعيد شامل يمزق البلاد أو تهدئة هشة تتطلب حكومة جامعة حقيقية. الوقائع تؤكد أن استمرار سياسات الإقصاء والتحريض من دون معالجة جذرية سيجعل إعادة بناء الثقة بين المكونات السورية مهمة شبه مستحيلة في المدى المنظور.








