يتعثر مسار السلام مع استمرار المماطلة التركية وغياب الضمانات القانونية، ما يثير مخاوف من انهيار العملية والعودة إلى مربع الصراع. ويواصل الجانب الكردي خطواته الهادفة إلى خفض التصعيد وإثبات الالتزام بالتسوية، في مقابل اعتماد أنقرة مقاربات إدارية مؤقتة دون إطار دستوري واضح. ويظل مستقبل العملية مرهوناً بإصلاحات سياسية وتشريعية قادرة على تثبيت اتفاق مستدام.
رغم الخطوات التي اتخذها الجانب الكردي لدفع مبادرة السلام إلى الأمام، لا تزال العملية تواجه حالة من الجمود السياسي المتصاعد، في ظل استمرار المماطلة من الجانب التركي وغياب أي ضمانات قانونية ملزمة. هذا الواقع يثير مخاوف متزايدة من إمكانية انهيار المسار والعودة إلى مربع الصراع، خاصة بعد مرور أكثر من عام على نداء القائد عبد الله أوجلان الذي طرح رؤية شاملة لإنهاء الصراع المسلح والانتقال نحو نموذج “المجتمع الديمقراطي”.
خطوات كردية متقدمة تعكس إرادة سياسية واضحة لإنجاح مسار التسوية
اتخذت حركة التحرر الكردستانية خطوات وُصفت بالاستراتيجية وغير المسبوقة في سياق دعم عملية السلام، شملت تقليص العمليات المسلحة وإعادة تموضع القوات في مناطق التماس، إلى جانب التأكيد على مراجعة العقيدة القتالية. وتُعد هذه الإجراءات مؤشراً على التزام سياسي واضح بإعطاء فرصة حقيقية لمسار التسوية، وإثبات حسن النوايا تجاه أي حل تفاوضي محتمل.
جمود تركي ومقاربات إدارية مؤقتة تضعف فرص بناء اتفاق مستدام
في المقابل، تتعامل أنقرة مع الملف عبر إجراءات إدارية غير ملزمة بدلاً من إطار قانوني ودستوري ثابت، ما يجعل أي تفاهمات عرضة للتراجع مع تغير التوازنات السياسية الداخلية. كما يُلاحظ إصرار تركي على اشتراط نزع السلاح الكامل قبل تقديم أي ضمانات، وهو ما يعمّق أزمة الثقة ويحوّل العملية من مسار تفاوضي متبادل إلى مقاربة تُفهم باعتبارها فرض شروط أحادية.
توازنات سياسية داخلية معقدة تعيد تشكيل مواقف الدولة التركية من الملف الكردي
تشير تحليلات سياسية إلى أن مقاربة أنقرة لعملية السلام تتأثر بصراع داخلي بين التيار القومي والتيار ذي التوجه الإسلامي، حيث يسعى كل طرف إلى توظيف الملف ضمن حساباته السياسية الخاصة. هذا التباين ينعكس في التردد الحاصل بشأن الخطوات المقبلة، خصوصاً في ما يتعلق بالإصلاحات الدستورية أو الاعتراف بالحقوق السياسية والثقافية للكرد.
حسابات السلطة التركية الضيقة تبقي عملية السلام في دائرة الاستنزاف السياسي
تتحرك القيادة التركية ضمن هامش محدود من المصالح السياسية، حيث تتقاطع طموحات تثبيت النظام الرئاسي مع اعتبارات التحالفات الداخلية، ما يخلق حالة من التردد في اتخاذ قرارات حاسمة. هذا الوضع يجعل من مسار السلام أداة سياسية أكثر من كونه مشروع تسوية شامل، ويُبقيه في حالة “لا حرب ولا سلم”، بما يحمله ذلك من مخاطر إعادة إنتاج التوتر والصراع.
متطلبات سياسية وتشريعية ضرورية لإنقاذ المسار ومنع العودة إلى نقطة الصفر
تتطلب المرحلة الحالية تبني خطوات تشريعية واضحة، أبرزها سن قانون للانتقال الديمقراطي ووضع جدول زمني محدد لتعديلات دستورية تضمن الحقوق الثقافية والسياسية للكرد. كما يُطرح ملف القائد عبد الله أوجلان بوصفه محورياً في إعادة تنشيط العملية، عبر تمكينه من دور سياسي فاعل. وفي ظل هذه التحديات، يبقى مستقبل المسار مرهوناً بمدى قدرة الأطراف على تجاوز الحسابات الضيقة نحو تسوية شاملة ومستقرة.







