تنتظر البرلمان (مجلس الشعب) في سوريا ملفات مصيرية، من صياغة دستور دائم وإصلاح القضاء إلى تشريعات العدالة الانتقالية، لكن ما الأولويات التي ينبغي أن تتصدر جدول أعماله خلال المرحلة المقبلة؟
على الرغم من تباين المواقف وردود الفعل التي رافقت تشكيل البرلمان (مجلس الشعب) في سوريا وآلية اختيار أعضائه، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم: “ما الذي ينتظر البرلمان خلال المرحلة الانتقالية؟ وهل سيتمكن من تجاوز الجدل الذي سبق ولادته إلى أداء دوره، بوصفه السلطة التشريعية المسؤولة عن إعادة بناء المنظومة القانونية والدستورية للدولة، أم سيقتصر دوره على إصدار قوانين تعالج الملفات اليومية؟
تعيش سوريا اليوم، مرحلة تختلف عن كل المراحل السابقة، إذ لا يتعلق الأمر باستمرار عمل مؤسسة تشريعية ضمن نظام دستوري مستقر، بل ببلد دخل مرحلة حكومة مؤقتة بعد سقوط النظام البعثي، وتوقف العمل بالدستور الذي كان نافذاً، فيما تُدار البلاد حالياً وفق “الإعلان الدستوري”.
وفي مثل هذه المراحل، لا يكون البرلمان مجرد جهة لإقرار مشاريع القوانين، بل يتحول إلى أحد أهم أعمدة إعادة بناء البلاد، من خلال استكمال البنية الدستورية، وإصلاح المنظومة التشريعية، وترسيخ سيادة القانون، ووضع الأسس القانونية لمؤسسات البلاد الحكومية، وفق ما رصد في عموم البلدان.
الدستور… الأولوية التي تسبق جميع القوانين
إذا كان أمام البرلمان عشرات مشاريع القوانين، فإن الاستحقاق الأبرز يتمثل في استكمال المسار الدستوري والانتقال من “الإعلان الدستوري” المؤقت إلى دستور دائم يمثل المرجعية القانونية العليا للبلاد، وفق مطالب السوريين.
فالإعلان الدستوري ينظم مرحلة ما بين سقوط النظام السابق لحين إصدار دستور جديد، لكنه لا يغني عن وجود دستور دائم يحدد شكل البلاد ومؤسساتها، وطبيعة نظام الحكم، واختصاصات السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وآليات تداول السلطة، وضمانات الحقوق والحريات، والعلاقة بين الحكومة المركزية والإدارات المحلية.
وتنبع أهمية الدستور من كونه المرجعية التي تستند إليها جميع التشريعات، إذ يصعب بناء منظومة قانونية مستقرة أو تنفيذ إصلاحات مؤسساتية شاملة دون إطار دستوري دائم، كما سيمثل المدخل الطبيعي لإعادة مراجعة وتحديث القوانين التي صدرت خلال العقود الماضية بما ينسجم مع متطلبات المرحلة الجديدة.
ورشة تشريعية لإعادة بناء الدولة
ولا يقتصر دور البرلمان على إقرار قوانين جديدة، بل يمتد إلى مراجعة شاملة للمنظومة التشريعية السورية، إذ إن العديد من القوانين النافذة وُضعت في سياقات سياسية ودستورية مختلفة، وأصبحت بحاجة إلى تعديل أو تحديث أو إلغاء، بما ينسجم مع الإعلان الدستوري ويمهد للانتقال إلى دستور دائم.
وتشمل هذه الورشة تحديث القوانين الناظمة لعمل مؤسسات الدولة، وإعادة تنظيم العلاقة بين السلطات العامة، وتطوير التشريعات الإدارية، بما يسهم في بناء منظومة قانونية أكثر استقراراً وقدرة على مواكبة المرحلة الانتقالية.
إصلاح القضاء واستكمال البناء الدستوري
يشكل إصلاح السلطة القضائية أحد أبرز الاستحقاقات، باعتبار أن استقلال القضاء يمثل الضامن الأساسي لتطبيق القانون وحماية الحقوق.
وتبرز الحاجة إلى إصدار قانون جديد للسلطة القضائية يعزز استقلالها، ويعيد تنظيم مجلس القضاء الأعلى، ويضمن نزاهة التعيينات القضائية، إلى جانب مراجعة قوانين أصول المحاكمات والإجراءات الجزائية والعقوبات بما ينسجم مع مبادئ المحاكمة العادلة.
كما يبرز استكمال الإطار القانوني للمحكمة الدستورية العليا، بوصفها الجهة المختصة بالرقابة على دستورية القوانين والفصل في النزاعات الدستورية، بما يعزز استقرار النظام الدستوري مستقبلاً.
العدالة الانتقالية… من المبادئ إلى التطبيق
وتفرض المرحلة الراهنة استكمال الإطار القانوني لعمل هيئات العدالة الانتقالية، عبر إصدار تشريعات تنظم اختصاصاتها وآليات عملها، وتحدد إجراءات كشف الحقيقة، وحماية الشهود، وجبر الضرر، وتعويض الضحايا، وحفظ الأرشيف الوطني، وضمان عدم الإفلات من العقاب.
كما تبرز الحاجة إلى تشريعات تعالج ملفات المفقودين والمختفين قسراً، وتسوية الآثار القانونية والاجتماعية التي خلفتها سنوات الحرب، بما يحقق العدالة ويعزز السلم الأهلي.
تنظيم الحياة السياسية
ومن بين الملفات الأساسية أيضاً استكمال المنظومة القانونية للحياة السياسية، من خلال إعداد قانون دائم للانتخابات، وإصدار قانون حديث للأحزاب السياسية، وتحديث القوانين الناظمة لعمل النقابات المهنية ومنظمات المجتمع المدني، بما يعزز المشاركة السياسية والمجتمعية ويوفر إطاراً قانونياً واضحاً للعمل العام خلال المرحلة المقبلة.
إعادة بناء الإدارة العامة والإدارة المحلية
كما ينتظر البرلمان مراجعة قوانين الخدمة المدنية والإدارة العامة، بما يعزز الكفاءة والشفافية وتكافؤ الفرص في الوظيفة العامة، إلى جانب تحديث قانون الإدارة المحلية، وتحديد العلاقة بين الحكومة المركزية والإدارات المحلية، وتوزيع الصلاحيات بصورة أكثر وضوحاً، بما يسهم في تحسين الخدمات العامة ورفع كفاءة المؤسسات.
تشريعات اقتصادية لدعم التعافي
وفي الجانب الاقتصادي، تبرز الحاجة إلى تحديث القوانين المتعلقة بالاستثمار، والعمل، والضمان الاجتماعي، والضرائب، والجمارك، والعقود الحكومية، بما يوفر بيئة قانونية مستقرة تدعم التعافي الاقتصادي وتشجع الاستثمار والإنتاج.
كما تشمل الأولويات إعداد الأطر القانونية المرتبطة بإعادة الإعمار، وتنظيم الملكيات العقارية، وتسوية النزاعات القانونية الناجمة عن سنوات الحرب، بما يحفظ الحقوق ويعزز الاستقرار.
الشفافية وحماية الحقوق
ويبرز كذلك تطوير التشريعات المتعلقة بالنزاهة ومكافحة الفساد، من خلال تحديث قوانين الرقابة والإفصاح عن الذمة المالية، وحماية المبلغين عن الفساد، وإقرار قانون يضمن حق الحصول على المعلومات.
وفي الوقت نفسه، تفرض المرحلة مراجعة التشريعات المتعلقة بحرية الرأي والتعبير، والعمل الإعلامي، والجمعيات، والنقابات، وتعزيز الضمانات القانونية للمساواة أمام القانون، بما يرسخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
الرقابة البرلمانية
ولا تنحصر مهمة البرلمان في سن القوانين، بل تشمل ممارسة رقابة فعالة على أداء السلطة التنفيذية، من خلال مناقشة السياسة العامة، وإقرار الموازنة العامة، ومتابعة تنفيذها، واستجواب الوزراء، وتشكيل لجان التحقيق عند الحاجة، بما يعزز مبدأ الفصل بين السلطات ويرسخ المساءلة المؤسسية.
تجارب انتقالية تؤكد أهمية الدور التشريعي
وتشير تجارب دول شهدت حروباً أو نزاعات داخلية وانتقلت لاحقاً إلى مراحل انتقالية، مثل جنوب أفريقيا، والبوسنة والهرسك، ورواندا، إلى أن البرلمانات لعبت دوراً محورياً فشكل أحد أهم المؤسسات الدستورية التي تسهم، إلى جانب السلطتين التنفيذية والقضائية، في إعادة بناء الدولة، ليس من خلال سن القوانين فحسب، بل عبر إقرار الدساتير أو تعديلها، وإصلاح القضاء، وسن تشريعات العدالة الانتقالية، وإعادة تنظيم مؤسسات الدولة، ووضع الأطر القانونية للمصالحة وإعادة الإعمار.
وتبرز هذه التجارب أن نجاح المرحلة المؤقتة لا يقاس بوجود برلمان فحسب، بل بقدرته على تحويل التحولات السياسية إلى منظومة قانونية ومؤسساتية مستقرة.
استحقاق يتجاوز التشريع
ومع بدء البرلمان مهامه يوم الاثنين، يواجه اختباراً يتمثل في الإسهام بإعادة بناء البلاد قانونياً ومؤسساتياً، عبر استكمال البناء الدستوري، وإصلاح القضاء، وتعزيز العدالة الانتقالية وسيادة القانون، بما يمهد لقيام دولة مؤسسات مستقرة.








